الرئيسية > تدوينات عَامة > توارد الأفكار – لا أفكار حصرية

توارد الأفكار – لا أفكار حصرية


توارد الأفكار

– لا أفكار حصرية –

عندما عكفتُ قبل مدة من الزمن على كتابة روايتي الأولى – قلب النار – وبدأت أخطها؛ لم أكن قد قرأت الكَثير من الكُتب أو الروايات الأخرى لأثريها؛ وخصوصًا الروايات المترجمة لأن روايتي ستكون غربية الطابع. في أحد المشاهد في الرواية كتبتُ عن مصيدة للأفخاخ يمرُ فيها البطل بشكل تدريجي، ثم يخرجُ منها بسلام حاصلًا على فتاتهِ والجائزة معًا. كتبت هذه الجزئية قبل 6 أو 7 أعوام تقريبًا. والآن عندما أتيت لأراجعها بعد رحلتي في عالم القراءة؛ وجدت أن المشهد نفسهُ موجودٌ في أحد الروايات الغربية الأخرى وأيضًا موجود في فيلم هذه الرواية. لبرهة ظننتُ أن هناك سرقة أدبية من نوع ما؛ لكني وجدت أن الرواية الغربية قد كتبت قبل روايتي بمائة عام تقريبًا، والفيلم كذلكْ.

وتخبرني إحدى الأخوات بأنها قد كتبت قصة قصيرة عن طفلٍ صَغير يولد في نفس اليوم الذي يولد فيه ملك، ويشاء القدرُ أن يكونا بنفس الشبه تمامًا. وكلنا يعرف بأن هذه قصة أوروبية شاهدناها ونحن صغار على قناة سبيستون وغيرها من قنوات الأطفال.

• ما تفسير هذه الحالة ؟!

هذه الحالة تدعى بعملية توارد الأفكار وهي عملية تخطر فيها الفكرة على بال أكثر من شخصٍ حول العالم في أزمان متشابهة أو مختلفة. ولذلك إذا خطرتْ على بالك أي فكرة، لا تقتلها ولا تنتظر على تطبيقها؛ بل سارع إلى تفعيلها؛ قبلما تخطر على بال أحدٍ غيركْ فيعطيها حقها أفضل منكْ، وتصبح فكرتك بلا تطبيق، لا مَعنى.

بعدما ذهب جراهام بل لتسجيل براءة اختراع الهاتف بخمس دقائق فقط جاء شخص آخر لتسجيل براءة اختراع الهاتف مُجددًا، ولكنها كانت مُسجلة باسم جراهام. أرأيت أهمية تطبيق الفكرة فور ولادتها؟! خمس دقائق فقط كانت فيصلًا في تسجيل البراءة لشخص آخر؛ وصدقني لو لم يخترع “بل” الهاتف، ولم يم يخترعه الشخص الذي جاء بعده، سيخترعه غيرهما لاحقًا فالفكرة؛ لا تحتمل أن تموتْ في أي رأس، بل تسارع في الانتقال من رأس إلى آخر لتحصل على فرصتها في أن تكون واقعًا أخيرًا، فقيمة الفكرة بتطبيقها لا بالحفاظ عليها. ولم نسمع يومًا بإمكانية لحفظ حقوق “فكرة” في رأس من السرقة أو الاستعمال، وإنما تكون الحقوق لها بعد تطبيقها على أرض الواقع.

– لا أفكار حصرية – ضع هذه الجملة أمام عينيك دائِماً كي لا تعتقد بأنك قد حظيتِ بفكرةٍ لا يمكن لأحدٍ الوصول إليها. ولننظر أيضًا إلى مثالٍ آخر هُنا، وهو “داروين” العالم الأوروبي مكتشف نظرية “داروين للتطور” ومؤلف كتاب “أصل الكائنات” فهو لم يكن ينتوي نشر كتابهِ خوفًا من الكَنيسة وكذلك كان ينتظر أي فرصة أفضل لنشرهِ؛ ولكنه قد سَمِعَ عن عَالِمٍ آخر يعمل على نفس النظرية وأنه سينشرها قريبًا؛ لذلك سارع هو في نشر كتابهِ ونظريتهِ غير آبهٍ بأي ردة فعلٍ عليها خوفًا من أن يذهب كل مجهوده وسفرهِ واستنتاجاتهِ هباءً منثورا. وبالفعل كانت نظريته ثورة على الكنيسة وبداية ثورة العلم والعلمانية في أوروبا ونهاية العصور الظلامية الوسط.

من هذه النقطة نعلم أيضًا أنه مهما تعبنا على فكرة ما، فيجب إخراجها للنور ليعلم الناس عنها، وليقيموا هذا الجهد وليشكروه؛ لأن الفكرة لا ضَمير لها؛ فهي تريدك أن تعمل بجهدٍ وتتعب عليها؛ ثم تعلن ولادتها بسرعة دون الانتظار؛ ولكن لو انتظرت عليها؛ فهي ستخون كل تعبك وجهدك وتذهب لآخر ليخرجها إلى النور.

لذلك صَديقي؛ قبل أن تكتب . . اقرأ، لتعلم هل فكرة الكتابة موجودة أم لا؛ وفي هذا يقول الكاتب خالد أبو شادي أنه إذا قرر أن يكتب كتابًا؛ فإنه يعكف على القراءة في الموضوع الذي يريد الكتابة فيهِ لمدة عامٍ كامل؛ أو أكثر لكي يضمن عدم وجود أي تكرار أفكار في كتابهِ وكُتب أخرى، وليكون كل ما يكتبه جَديدًا، أو قديمًا بشكلٍ جَديد.

وأيْضًا صَديقي؛ إذا أتت على بالك فكرة؛ يجب أن لا تألو جهدًا في تطبيقها على أرض الواقع بسرعة؛ فكما ذكرنا فهي كالطفل لا يحب أن يربط؛ وتقاوم كي لا تقتل في مهدها. الفكرة ليستْ حَصرية، وليستْ حِكرًا على عقلكْ؛ وإنما شيء قد يفيد الإنسانية بشكلٍ كبير.

وتذكر خِتامًا أن الأفكار أطفال لا يمكنكم المكوث في مكان واحدْ؛ لذلك يجب أن يكون معك دائمًا ورقة وقلم، لتقيد الفكرة لديك فور خطورها في ذهنك كي لا تهربْ. واعلم أنها لن تبقى مقيدة في دفترك كَثيرًا؛ فعليك السعي إلى الخروج بالفكرة من طور الحمل إلى طوْر الولادة.

Advertisements
  1. 14/12/2014 عند 9:37 مساءً

    تدوينة ثرية بحق !
    راق لي تشبيه الأفكار بالأطفال ، هي حتمًا كذلك ..
    كما أخافتني فكرة أن الفكرة إن لم تطبقها ، حتمًا ستذهب لغيرك وستكون له !
    جزيل الود على جميل النص ، بوركت

  2. mnesblue
    21/05/2015 عند 9:02 مساءً

    مرحبًا أنس،
    الأفكار الّتي تنشأ في رؤوسنا وتتطور معَ الزمن من أصغر إلى أكبر، ومن غموض إلى نُضج، ثم تطرُق رؤوسنا أحيانا، تلُح علينا بأن تخرُج، كانت تُشبه ذاك الطفل الشَقي اللعوب، والحقيقة أنك ألبستَ الفكرة ثوبًا أوحى إليَّ بأنها (الفكرة) كالمُشخصات الحقيقية خارج وعي الإنسان تنتقل حيثما تشاء كأنها عدوى؛ وأعتقد أنها تصِل في نهاية مطافها إلى من كان إليها أحقّ وأتوَق؛ وهذا يُثير فيَّ الفضول والدهشة.. وأنا اعترف بأنّي لم أمتلك يومًا أن أبدأ في توليد هذهِ الأفكار وإن حملتها لسنوات، لغياب الجُرأة بل ربما انعدام الثقة بأنَّ وقتها قد حان وعلمتُ بأنها اللحظة المناسبة وأعرف ماذا سأصنع بعدها! يبدو أن هذهِ الحالة الّتي تُشعرني بالمنقوصية هي عُقدة طوباوية تُريد منّي أن لا أبرح مكاني.
    شكرًا جزيلًا لمشاركتنا هذهِ المقالة المُثيرة للتساؤل.

  3. هبة أبو ندى
    21/05/2015 عند 11:10 مساءً

    حلو , موضوع حلو , وسردية سلسة وبسيكة غير ساذجة , وثرية غير معقدة , أحسنت جداً راقت لي 🙂

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: