الرئيسية > مقالات, تكنولوجيا > فيسبوك: الخوف كمحرك للخوف

فيسبوك: الخوف كمحرك للخوف


نُشر المقال لأول مرة على موقع جيل

بالنسبة لأجيال الثمانينات وأوائل التسعينات والتي واكبت الانترنت بشكلهِ البدائي ووصولًا إلى حالهِ اليوم. هذه الأجيال التي مرت بنظام التشغيل منعدم النوافر ومرورًا بالوندوز، وهي الأجيال ذاتها التي استعملت المنتديات وبرامج التشات الفـوري وبرنامج مايركوسوفت مسنجر؛ ويمكننا القول أيضًا بأنها الأجيال ذاتها التي استعملت أجهزة النوكيا التي كانت تحتل العالم في يومٍ من الأيام. ولو أردنا أن ننظر الآن إلى هؤلاء وأين هم، فسنجد أنهم قد توقفوا عن دخول موقع هوتميل أساسًا واتجهوا نحول الجميل، وانصرفوا عن المنتديات إلى الفيسبوك وعن نوكيا إلى سامسونج والأيفون. ماذا حصل؟

ما حصل هو أن الشركات السابقة كانت تظن بأن السوق ملكها وأنه لا يوجد أي مجالٍ للمنافسة ضدها كونها كانت الوحيدة والأفضل في مجالها، ولكن التاريخ يقول، بأن من لا يتطور ينقرض، والبقاء طبعًا للأقوى والأفضل والأصلح للبيئة والعصر الذي يعيش.

كثيرون يطرحون سؤالًا: “هل سيكون هناك عالم اسمه عالم ما بعد الفيسبوك؟” بمعنى هل سيأتي موقع أو خدمة تجعل الناس تنسى الفيسبوك وتنتقل إليه، ليصبح من الماضي، مثله مثل الخدمات السابقة؟ والإجابة على هذا السؤال ليست سهلة أبدًا. فالعادة والطبيعة تقوم بأنه لا دوام لشيء أبدًا، مهما صعد وحلّق، فسيكون له نهاية محطة نهاية. لكن الفيسبوك في نفس الوقت يحاول أن يحارب هذه الحقيقة بأعتى ما لديهِ من وسائل. فالموقع الذي انطلق عام 2008 للعالم، لم يبقى أبدًا كما هو. فالموقع لديهِ جيش من الموظفين ومن علماء الناس ومولّدي الأفكار الذي يحاولون من جعل الموقع بيئة مناسبة أكثر فأكثر للناس لخداعهم لقضاء أطول فترة ممكنة داخل الموقع. وليس هذا فحسب بل وتوفير كل ما يريده المستخدم على الإنترنت في مكانٍ واحد.

 

استراتيجية فيسبوك

ففيسبوك مثلًا يضع الأولوية في الظهور للمنشورات ذات مقاطع الفيديو في حركةٍ منه لدعم المحتوى المصور لمنافسة اليوتيوب على سبيل المثال، وقبل مدة جعل الفيديوهات تبدأ بالعرض لوحدها إلا إذا اخترت أنت أن توقف هذه الميزة ليحصل على أعلى عدد hits على الفيديوهات من بين كل الموقع التي تدعم الفيديوهات.

والأمر لا يتوقف فحسب على الخدمات داخل الموقع، وإنما يدفع الخوف الفيسبوك لمراقبة السوق مراقبة حذرة وشرسة في نفس الوقت. فالموقع الذي انطلق وليدًا على يد طالب في جامعة هارفرد قد تحوّل إلى شركة (حوت كبير)، يحاول أن يجعل نفسه هو السوق بكاملهِ، فلا يكاد يسمع عن شركة ناشئة في أي مجال قريبٍ أو بعيد من مجالهِ ويحقق نجاحًا إلا ويعرض شراءه وامتلاكه ليضيفه ضمن جيشه المسيطر في الخدمة. فشهدنا مثلًا استحواذ الفيسبوك على تطبيق إنستغرام لخدمات الصور عام 2012 مقابل مليار دولار، بعد أن حقق التطبيق نجاحٍ على مستوى عالمي في جميع المتاجر. وأيضًا ما فعله الفيسبوك مع الواتساب والذي تأسس عام 2009 من قبل الأمريكي بريان أكتون والأوكراني جان كوم (الرئيس التنفيذي أيضاً)، وكلاهما من الموظفين السابقين في موقع ياهو، ويتنافس الواتساب مع عدد من خدمات الرسائل الآسيوية (مثل LINE، KakaoTalk، وWeChat). وفي الـ 13 من يونيو 2013، أعلنت WhatsApp على تويتر، أنها قد وصلت سجلاتهم اليومية الجديدة إلى 27 مليار رسالة. وقد قامت شركة الفيس بوك بشراء الواتساب في 19 فبراير من العام 2014 بمبلغ 19 مليار دولار أمريكي، في عملية استحواذ نوعية على تطبيقٍ كان يُظن بأنه سينافس الفيسبوك مسنجر؛ ولكن الآن صارت المنصة تابعة للفيسبوك، والمنافسة بين التطبيقات الثلاثة تصب في النهاية لصالح الشركة.

وطبعًا الأمر لا يتوقف على الاستحواذ على تطبيقات ومواقع تقدم خدمات مباشرة، وإنما في سوق الذكاء الاصطناعي والخدمات التي تبني وتجهز البنية التحتية للإنترنت، ولكن لا يكون المستخدمون على إطلاع على مثل هذه الاستحواذات لأنها لا تهمهم بشكلٍ مباشرٍ.

 

فيسبوك والسناب شات؟

عندما حقق سناب شات شعبية في بداية انطلاقهِ عام 2013 ظنّ الجميع أن نجمه سيأفل ويختفي مثلما تختفي رسائله بين ليلة وضحاها، ولكنه بدلًا من ذلك أصبح وشركته واحدًا من أهم الشركات والتطبيقات إثارة للاهتمام على الساحة التكنولوجية. أسر تطبيق سناب شات قلوب الشباب في الغربِ والشرق بمحتواه الذي يختفي بسرعة والكثير من ميزاتهِ المرحة. ومما يظهر أن سناب شات قد أقام علاقة وثيقة مع الشباب بنجاح أكثر من نظرائه في السوق مثل الفيسبوك (أو خدمة المراسلة لديه المسنجر، أوو الواتساب). يتبادل الشباب فيما بينهم صوراً وفيديو لهم وهم يتقيؤون أقواس قزح أو محولين ووجوههم إلى إحدى الحيوانات. نحو 41٪ من الأميركيين الذين تراوح أعمارهم بين 18-34 يستخدمون خدمة الرسائل سريعة الزوال يوميًا، و150 مليون شخص على مستوى العالم يقضون وقتا على ذات التطبيق كذلك.

هذا الصعود السريع والمفاجئ لتطبيق السناب شات يثير خوف الفيسبوك بل ويزعزع استقراره بأنه الأفضل في ظل الازدياد المضطرد في عدد مستخدمي تطبيق السناب شات يومًا بعد يوم. ومثلما صنع مع الإنستغرام والواتساب، عرض الفيسبوك شراء تطبيق السناب شات مقابل 3 مليار دولار؛ ولكن السناب ردَ عرضه في الشراء، فلدى سناب شات نظرة مختلفة. ففي الوقت الذي يخلق فيه الفيسبوك سجلات دائمة من حياة المستخدمين، يعمل سناب شات على مبدأ المؤقتية التحررية. وفي معظم مواقع وسائل الإعلام الاجتماعية، ينشر الناس حول إنجازاتهم إلى دائرة ضخمة من المعارف، أما على السناب شات فيتبادل الناس صورًا سخيفة لأنفسهم مع مجموعات صغيرة من الأصدقاء. وهذا الرفض طبعًا أثار حفيظة العملاق. كيف لسمكة صغيرة في حوضٍ منزلي أن تقول لا لحوتٍ في المحيط الكبير؟ من ناحية متابعة ومشاهدة، فموقع بضخامة الفيسبوك، لا يجدر بهِ أن يخاف من تطبيق السناب شات، فمجال منافستهِ الحالي ليس تقريبًا نفس المجال، ولكن ما حصل في الماضي يثير خوف الفيسبوك من المستقبل. ذلك الذي جعل أجيال تربّت على خدمات المايكروسوفت مسنجر تنقلب إلى الفيسبوك وخدماتهِ دون رجعة، هو نفس الشيء الذي يخيف العملاق، ولذلك يسعى دائمًا إلى صناعة المستخدم الوفيّ والذي يعلن ولاءه له وليس مجرد مستخدم بعيد.

الفيسبوك إذًا يقرر إعلان الحرب على السناب شات، وبدأت تظهر أمارات هذه الحرب عندما أعلنت شركة الفيسبوك إطلاق خدمة الـ Stories على تطبيق الإنستغرام في شهر أغسطس الماضي 2016، وهو ما أحدث ضجة عالمية حول الفكرة. وبغض النظر هل الفكرة حصرية أو لا، فإن نمو السناب شات قد تباطأ بنسبة 83% مباشرة بعد إطلاق خدمة الإنستغرام الجديدة.

 

ففي الربع الأول من عام 2016، بلغ متوسط عدد مستخدمي سناب شات يوميًا 122 مليون مستخدم نشط، بزيادة 14% عن الربع السابق. ثم أثبت الربع الثاني أفضل نمو له على الإطلاق، وذلك بفضل الاهتمام الهائل بالاتصالات البصرية على كامل الشاشة والافتقار إلى المنافسين المباشرين. وسجلت سناب شات 143 مليون مستخدم يوميا بمعدل نمو ضخم بلغ 17.2%. ولكن عندما أعلن الفيسبوك استنساخ قصص السناب شات في الجزء العلوي من تطبيق الإنستغرام الذي يستخدمه 300 مليون شخص يوميا و500 مليون شخص كل شهر؛ بدا أن هذا النمو المطّرد قد بدأ بالتململ. لأنه وبحلول تشرين الأول/أكتوبر، كان لهذه الميزة الجديدة 100 مليون مستخدم يوميا على الإنستغرام.

فجأة، تباطأ نمو السناب شات. وقد سجلت الشركة أدنى نسبة نمو لها منذ 2014؛ حيث تباطأ نمو السناب شات لـ 7٪ فقط في الربع الثالث 2016 ليصل إلى 153 مليون مستخدم يوميا، وفي الربع الرابع تدهور أكثر، في حين وصل عدد مستخدمي ميزة الـ stories على الإنستغرام 150 مليون مستخدم يوميًا، وهو رقم ليس ببعيدٍ جدًا عن رقم السناب شات.

 

هل يكتفي الفيسبوك؟

كما قلنا، خوف الفيسبوك من المستقبل هو ما يدفعه ليكون أكثر وحشية في هذه الحرب، ورغم إنه وبواسطة تطبيق الإنستغرام والميزة الجديدة قد سدد ضربة قاسمة للسناب شات، إلا إنه لم يتوقف. فهو لا يريد فقط أن يسحب المستخدمين القدامى، بل ويريد للمستخدمين في المستقبل أو المستخدمين المحتملين (Potential Users) والذين لم يعرفوا السناب شات بعد أن يأتوا إليهِ هو ويعلنوا ولاءهم له. فبعد الضربة الأولى، قام الفيسبوك بتسديد الضربة الثانية بإعلانهِ إطلاق الميزة ذاتها على برنامج الواتساب بتاريخ 20 فبراير/2017، ثم أعلن أيضًا إطلاق الميزة ذاتها على تطبيق المراسلة الفورية لديه مسنجر وأخيرًا وليس بآخر، وقبل 4 أيام، أعلن الفيسبوك بأنه يضيف ميزة الـ Stories إلى تطبيق الفيسبوك الرئيسي وبشكلٍ منفصل عن المسنجر. الفيسبوك الآن لا يخوض حربًا مع السناب شات لوحدهِ، وإنما مع المستقبل في محاولةٍ منه للخلود. يحاول الفيسبوك أن يصنع لنفسهِ جيشًا من مستخدمي الـ Stories الذين يعلنون ولاءهم بالمقام الأول لهِ دون أن يعرفوا ما هو السناب شات.

هل سينجح الفيسبوك في البقاء؟ هل سيبقى الأفضل والأصلح؟ أم هل تعتقدون بأنه سيأتي يوم ما قريب، وسيكون الفيسبوك بالنسبة لنا جزءًا من الماضي؟

 

 

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: